محمد الساعدي

23

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح

وحينئذٍ نرجع للإشكال الأوّل ونقول : هل يتصوّر أن تكون الأُمّة بمجموعها مسؤولة يوم القيامة سؤالًا تعاقب عليه ، أو أنّ ذنبها عقابه فيه وعذابها في الدار الدنيا تستوفيه ؟ وقد يقولون : إن كان لا بدّ من هذا الإصلاح فينبغي أن يكون المطالبون به هم الحكّام والرؤساء والعظماء والأغنياء ، أمّا علماء الدين فمعظهم قد شغلهم أمر دنياهم عن النظر في أمره ، وإن فرغوا له فليس معهم مال ليساعدهم ولا لهم عصبية تعضدهم . بمثل هذا الكلام يحاول العلماء زحزحة عبء العمل عن عواتقهم وإلقاءه على عاتق غيرهم . ومن الغريب أن يوجد قوم من الشبّان المتحمّسين يذهبون إلى أنّ الإصلاح الإسلامي لا يتأتّى للمصلحين ما لم يقوموا بتأليف جمعيات ثوروية تسعى في قلب هيئة المجتمع الإسلامي رأساً على عقب ثمّ يعودون فينشِئونه خلقاً جديداً . ومن لطف اللَّه أن كان هذا الرأي مقصوراً على ذوي الأمزجة العصبية والطباع الشاذّة ، وهم قليلون في شبّاننا المتنوّرين . وهذا ما جعلني أرتاب في السيّد جمال الدين مذ قال لي : لا بدّ في الوصول إلى الإصلاح من « حركة دينية » ، فحسبته من أُولئك النفر القائلين بلزوم تأليف الجمعيات الثوروية ، حتّى فسّر لي الحركة الدينية بالإصلاح الإسلامي الذي أبنّا رأينا فيه وشرحنا قوادمه وخوافيه . إصلاحنا المنشود ليس بدعاً من كلّ إصلاح ديني أو اجتماعي قامت به جماعات البشر وحصل في أزمنة التاريخ القديم والحديث . هذه الإصلاحات إنّما يقوم بها أُولئك الذين لم تلههم مناصب الجاه ولا مظاهر العظمة عن النظر في ما حلّ بقومهم من البؤس والشقاء والبحث عن أسبابه ووسائل النجاة منه . أمثال هؤلاء هم المرجوون للبحث في الإصلاح ، لا أُولئك الرؤساء والعظماء الذين لا يشعرون بالحاجة إليه ، وقد يأنفون من الاشتغال به ، بل ربّما قاوموه أشدّ مقاومة ؛ لأنّه قلّما يخلو من تحطيم امتيازاتهم وزحزحتهم عن مستوى عظمتهم ! ومحصّل القول : إنّ أيّ نوع من الإصلاح لا يتمّ إلّابسعي الذين يعنيهم أمره ، وإصلاحنا الإسلامي إنّما يعني علماء الدين ، فهم المكلّفون به ، المخاطبون شرعاً بالعمل على تحصيله ، وليس العمل منهم سوى الدعوة إليه بخطبهم وكتاباتهم وتآليفهم ، حتّى إذا اقتنع